الشيخ محمد رشيد رضا

129

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الوجه الثاني ) النظر فيها من الجهة العملية بحسب حال المسلمين الآن في مثل هذه البلاد فإننا نرى كثيرين يوافقوننا على أنه لو وجد للاسلام دول قوية وأمم عزيزة تقيم الشرع وتهتدى بهدى القرآن لأمكنها الاستغناء عن الربا ولكانت مدنيتها بذلك أفضل ، فلا اعتراض على الاسلام في تحريم الربا لأن شرعه لا يمكن أن يبيح الربا وهو دين غرضه تهذيب النفوس وإصلاح حال المجتمع لا توفير ثروة بعض الأفراد من أهل الأثرة . ولكنهم يقولون إننا نعيش في زمن ليس فيه أمم إسلامية ذات دول قوية تقيم الاسلام وتستغنى عمن يخالفها في أحكامها وإنما زمام العالم في أيدي أمم مادية قد قبضت على أزمة الثروة في العالم حتى صارت سائر الأمم والشعوب عيالا عليها فمن جاراها منهم في طرق كسبها والربا من أركانه فهو الذي يمكن أن يحفظ وجوده معها ومن لم يجارها في ذلك انتهى أمره بأن يكون مستعبدا لها فهل يبيح الاسلام لشعب مسلم هذه حاله مع الأوربيين كالشعب المصري أن يتعامل بالربا ليحفظ ثروته وينميها فيكون أهلا للاستقلال أم يحرم عليه ذلك - والحالة حالة ضرورة - ويوجب عليه أن يرضى باستنزاف الأجنبي لئروته وهي مادة حياته ؟ هذا ما يقوله كثير من مسلمى مصر الآن والجواب عنه - بعد تقرير قاعدة أن الاسلام يوافق مصالح الآخذين به في كل زمان ومكان - من وجهين يوجه كل واحد منهما إلى فريق من المسلمين أما الأول فيوجه إلى فريق المقلدين وهم أكثر المسلمين في هذا العصر فيقال لهم : إن في مذاهبكم التي تتقلدونها ، مخرجا من هذه الضرورة التي تدعونها ، وذلك بالحيلة التي أجازها الامام الشافعي الذي ينتمى إلى مذهبه أكثر أهل هذا القطر والإمام أبو حنيفة الذي يتحاكمون على مذهبه كافة ومثلهم في ذلك أهل المملكة العثمانية التي أنشئت فيها مصارف‌بنوك ) الزراعة بأمر السلطان وهي تقرض بالربا المعتدل مع إجراء حيلة المبايعة التي يسمونها المبايعة الشرعية وأما الثاني فيوجه إلى أهل البصيرة في الدين الذين يتبعون الدليل ويتحرون مقاصد الشرع فلا يبيحون لأنفسهم الخروج عنها بحيلة ولا تأويل فيقال لهم : إن « تفسير آل عمران » « 9 رابع » « س 3 ج 4 »